الشيخ محمد الصادقي

68

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

آذانهم ، ومنها إلى قلوبهم ، حتى يعوه ويحفظوه استعدادا للإنذار « فَلَمَّا قَضى » القدر الذي قضي لهم باستماعه « وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ » : فليكن القرآن الذي سمعوه قرآنا جامعا لما يتطلبونه : حجة الرسالة ، وهكذا كل القرآن ! مخاطبا إياهم في خطاباته وإيحاءاته ، فليكن منه سورة الرحمان « 1 » ولذلك تراهم - لما قضي - « ولوا إلى قومهم منذرين ، تحمل قلوبهم ومشاعرهم ما لا تطيق إلا تصديقه والإسراع في إبلاغه ، وإنها لهي حالة امتلاء الضمير بما يملي عليه املاءه للآخرين ، فيا له من قول غلاب قاهر بليغ ، تدخل حشاشته القلوب ، فتقلبها إلى مقلب القلوب ! . وما هي صيغة الإنذار ، الغلابة الخلابة ، المحركة لقلوب المنذرين ، دونما آية أخرى ، إلا هي نفسها ؟ إنها : ! قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ » . . . : « فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً . يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً » « 2 » . كيف - والقرآن أنزل من بعد عيسى ، قالوا - : « أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى » ؟ ألأنهم كانوا هودا ناكرين إنجيل عيسى ؟ وهذا مس من كرامة مرسلي الجن أن يكونوا كفارا ، والمرسلون هم المصطفون ! فليكونوا ممن آمن بنبوات تترى ، فإيمانا بعيسى ( ع ) بعد موسى ، ثم انصرافا إلى خاتم الأنبياء ! أم لأن القرآن يشابه كتاب موسى ( ع ) إذ يحمل شريعة الناموس كأساس ،

--> ( 1 ) . في مجمع البيان روى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللّه قال : فلما قرأ رسول اللّه ( ص ) الرحمان على الناس سكتوا فلم يقولوا شيئا فقال رسول اللّه ( ص ) : الجن كانوا أحسن جوابا منكم ، فلما قرأت عليهم : « فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ » قالوا : « لا ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب » . ( 2 ) . راجع تفسير سورة الجن ( الفرقان ج 29 ص 132 ) .